محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
326
الإنجاد في أبواب الجهاد
تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ } [ محمد : 35 ] ، وكذلك قال عكرمة ، وقتادة ، وغيرهما أنها منسوخة ، لكن زعموا أن الناسخ لها : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] ، فعلى هذا لا تجوز المهادنة بحال ، وقيل : بل المنسوخ الأخرى ، والناسخ قوله - تعالى - : { وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } ( 1 ) [ الأنفال : 61 ] ، وعلى هذا تجوز المهادنة بكل حال ، وقيل : إن آية الجنوح للسلم نزلت في قومٍ بأعيانهم خاصة ( 2 ) ، وآية المنع هي عامة ، وقيل : إن الآيتين نزلتا في وقتين مختلفي الحال ، معناه : إنهما محكمتان في حالين مختلفين ؛ فإذا كان للمسلمين الظهور والاعتلاء ، حرم السَّلم والإجابة إليه ، وإن كانوا على حال توقٍّ وتخوفٍ ساغ لهم ذلك ( 3 ) . وقيل : إن معنى : { فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ } [ محمد : 35 ] ، أي : لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت للأخرى ، وهي روايةٌ عن قتادة - أيضاً - ( 4 ) ، وعلى هذا القول ينتظم معنى الآيتين على حكم واحد ؛ لأنه أبيح في الأولى الجنوح للسلم إن جنحوا ، وابتدؤوا بطلب ذلك ، وإنما مُنع في الثانية أن يدعوهم إليه المسلمون
--> ( 1 ) وقد مضى الكلام على الجمع بين هذه الآيات ، في ( باب : الحُكم على الأسارى إما بالقتل وإما بالفداء ) ، وأنها جميعها محكمة ، كما قال المصنف هنا ، وسبق هناك تخريج قول عكرمة وقتادة وغيرهما ، وانظر : « تفسير الطبري » ( 26 / 41 - 42 ) ، « تفسير ابن كثير » [ سورة الآنفال : آية 61 ] . ( 2 ) قال الحافظ ابن كثير في « تفسيره » ( 2 / 356 ) : « وقال مجاهد : نزلت في بني قريظة ، وهذا فيه نظر ؛ لأن السياق كله في وقعة بدر » . اه كلامه - رحمه الله - . ( 3 ) قال الإمام المازري في الحاجة للمهادنة : « فإن كان لغير حاجةِ مصلحته : لا يجوز ؛ لوجوب القتال إلى غاية إعطاء الجزية ، وإن كان لمصلحةٍ نحو العجز عن القتال مُطلقاً ، أو في الوقت الحاضر ، فيجوز بعوضٍ أو بغير عوض ، على وفق الرأي السديد للمسلمين ؛ لقوله تعالى - : { وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } ، وصَالَحَ - عليه السلام - أهل مكة » . انتهى كلامه - رحمه الله - . وانظر : « الذخيرة » للقرافي ( 3 / 449 ) ، « الكافي » ( 1 / 469 ) . ( 4 ) أخرجه عبد الرزاق ( 2 / 224 ) ، وابن جرير ( 26 / 63 ) في « تفسيريهما » ، عن معمر ، عن قتادة قال : لا تكونوا أولى الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 7 / 505 ) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد في « تفسيره » .